الاقتصاد المصري، العملات، اسعار، سعر، ثمن، الجنيه، الدولار، الفلوس، الاموال، الفقر، التضخم، الغلاء، غلاء

تفاصيل بيع مصري وزوجته كليتيهما لشراء توك توك

حكاية مصري وزوجته باعا كليتيهما لشراء توك توك – لم تكُ “بسمة” تعلم ما تخبئه لها الأيام، وما قد يضطرها الفقرُ لفعله، فكما أجبرتها ظروف أسرتها ووفاة والدها على العمل في سن صغيرة، دفعها ضيق حال زوجها وجوع أطفالها الثلاثة لتقتطع جزءًا من جسدها وتبيعه لشخص آخر بمبلغ زهيد.

دائرة من الحزن والألم والعوز تدور فيها حياة “بسمة” صاحبة التسعة وعشرين عامًا، دفعتها لبيع “كليتها” لتخرج منها، إلا أنه وبعدما فعلت ذلك لم تفارق الدائرة الملعونة، ليضطر زوجها لبيع كليته هو الآخر لنفس السمسار ليشترى مقابلها “توك توك” للعمل عليه، ومع ذلك لم تنتهِ الدائرة، فلا تزال الديون والجوع والمرض تحاصر الزوجة والزوج اللذين رويا مأساتهما، ليكشفا تفاصيل جديدة في كارثة الاتجار بالأعضاء واستغلال الفقر والعوز الذى يعانى منه الكثيرون لإجبارهم على بيع أغلى ما يمتلكون.

في أحد الشوارع الجانبية الخارجة من حي “شبرا” يكفي بالكاد لعبور شخصين متجاورين، تقطن الضحيتان بسمة وزوجها في المنزل الذى تغطيه ملامح البؤس والفقر، ويظهر الألم والمعاناة المستقرة على وجوه جميع ساكنيه، وبالأخص الزوجين الذين يعيشان مع أطفالهما الثلاثة في غرفة واحدة مساحتها لا تتعدى الـ3 أمتار، ويغطيها سقف خشبى تتساقط منه الأمطار شتاء، ويضطرون لاستخدام حمام مشترك مع الجيران.

كان الحادث الذى تعرض إليه رب الأسرة أثناء عمله كـ”سروجي سيارات”، أول درجات السقوط الحتمى لبسمة وزوجها في الدائرة الملعونة، فبينما كان يعمل الأب ليأتي بالطعام لأبنائه، سقط مقعد إحدى السيارات على ذراعه، لتنقطع أوتاره، فتعجز يديه حتى عن دفع ثمن العلاج.

ومع عدم استطاعة الأسرة تدبير مصاريف الدواء، اضطرت الزوجة للجوء لـ “الربا” للحصول على 2000 جنيه، وهذه كانت ثانى درجات الانهيار السريع، حيث لم تستطع الوفاء بالمبلغ في موعده بإضافة الفائدة.

سرعان ما طالعت الأم بعد ذلك إعلانًا تحت عنوان “مطلوب شراء فص كلية” مرفق معه رقم هاتف محمول، فتلاعب شيطان العوز بعقلها (حسبما تقول) ووجدت نفسها تطلب الرقم المرفق مع الإعلان ظنًا منها أنها ستتمكن من إنقاذ ما يمكن إنقاذه، تسد الديون وتعالج زوجها وتنقذ أبناءها من الجوع.

“ألو أنا عايزة أبيع..” هذه الكلمات الأربع قالتها “بسمة” للطرف الآخر على خط التليفون، وفور إتمام المكالمة، هرولت لمقابلة “السمسار” في اليوم نفسه بمعمل تحاليل في حي الدقي، حيث كان يعمل ممرضا فيه.

في المقابلة التي لم تدم أكثر من ربع ساعة، خيَّر “السمسار” الزوجة بين أن تبيع كليتها مقابل 25 ألف جنيه، أو تبيع قطعة من كبدها بمبلغ أعلى، فاختارت الأولى، لتحصل على 22 ألف جنيه بعد أن يقتطع الممرض نصيبه.

على الفور، اصطحب السمسار “محمود”، بسمة، لمقابلة صاحبة المعمل “ن.ش”، والتي لمحت من الوهلة الأولى الرعبَ وارتعاش أنامل الزوجة، وشحوب وجهها، وبدلا من أن تنقذها من سلوك هذا الطريق، ضللتها وكانت أولى كلماتها لها: “متخافيش”، لتستطيع خلال ربع ساعة طمأنة الأم وإقناعها بما هي مقدمة عليه.

وتمكنت هيئة الرقابة الإدارية خلال ديسمبر الماضى، من إسقاط أكبر شبكة لتجارة الأعضاء البشرية واستغلال فقر بعض المواطنين لشراء أعضائهم بمبالغ زهيدة، وبيعها لمرضى مصريين وأجانب بملايين الجنيهات، كانت “بسمة” وزوجها من ضحاياها.

وضمت الشبكة 41 متهما، بينهم 12 طبيبا و 8 أعضاء بهيئة التمريض، إضافة إلى عدد من أساتذة الجامعة والوسطاء، تمكنوا من تحقيق ثروات طائلة من خلال تلك العمليات غير المشروعة.

وبعد اقتناع “بسمة” بالحديث المخادع لصاحبة المعمل، بدأت جولة طبية استغرقت شهرًا كاملًا، تلاها إجراء الجراحة، بعدما بشرها السمسار محمود أن فصيلة دمها تطابقت أخيرًا مع أحد المرضى يدعى “أحمد”!

ورغم الخوف الذى أدخلته إحدى الممرضات على قلب “بسمة” قبل لحظات من دخولها غرفة العمليات قائلة لها “بلاش حرام عليكي هتتعبي”، إلا أن آمال الزوجة في سداد الديون وإنقاذ زوجها وابنها هزم خوفها وقطع عليها طريق العودة.

“كأني كنت داخلة آخد حقنة” بهذا تصف الضحية حالة الجمود وعدم المبالاة التى كان عليها الأطباء والممرضون الذين أجروا لها الجراحة بالمخالفة للقانون الذي أصدره البرلمان ويحمل رقم 5 لعام 2010 بشأن زراعة الأعضاء البشرية، مانعًا نقل الأعضاء إلا بين الأقارب، أو بعد موافقة لجنة من وزارة الصحة، مشددًا على أن يكون ذلك دون أي مقابل مادي.

يومان فقط كانت الفترة التي مكثتها “بسمة” بعد العملية داخل أحد المستشفيات، وبعد عودتها لمنزلها، فوجئت بآلام شديدة استمرت لما يزيد عن شهر ونصف الشهر، ورغم ما رأى الزوج من مأساة زوجته، قرر خوض التجربة وأقبل هو الآخر على بيع كليته لنفس السمار، رغبة منه في شراء “توك توك”، وظنا أن ذلك سينقذه للأبد ويسدد عنه باقى ديونه.

ويبرر الزوج إقباله على خوض التجربة هو وامرأته بتهديداتِ أصحاب الديون بالأذى، لافتا إلى أنها لم يجدا حلًا آخر بعد أن تضاعف مبلغ الدين، وأغلقت جميع الأبواب إلا باب واحد، ظاهره فيه الرحمة وباطنه في العذاب، هو “تجارة الأعضاء البشرية”.

آلام لا تحتمل وإعياء دائم، هذه كانت الحال الذى انتهى إليها الزوجان، فمعاناة المرض أفقدتهما لذة الحياة، ووفقا لوصف “بسمة” فإن “جوزها مبقاش بيقدر يشتغل ساعتين علي بعض”، وبعد مرور 6 أشهر على بيعهما أعضاءهما واصلا الانهيار، وفقدا المال الذى ظنَّا أنه سينقذهما من الفقر وتضاعفت ديونهما.

يذكر أن محررة “مصراوى” توجهت لمعمل التحاليل الذى جرى فيه الاتفاق مع السمسار على بيع الأعضاء، وهناك قابلت “حسين” حارس العقار، وأخبرها بوفاة الطبيبة صاحبته وإغلاق المعمل بعد أن داهمته الجهات المختصة لتورطه في إجراء عمليات زرع الأعضاء بمساعدة السمسار سالف الذكر، وطبيب آخر.

وجاء في تقرير نشر بصحيفة التايمز البريطانية، إن الطلب المتزايد على شراء الكلى جعل سعرها يصل في أحيان كثيرة إلى 100 ألف جنيه إسترليني، لكن “السعر” ينخفض كثيرا في مصر، فوفقًا لتقارير كثيرة أهمها منظمة الصحة العالمية، يتلقى بائع الكلية في مصر مبلغا قد يضاهي 2000 دولار، في حين يدفع المشتري حوالى 20 ألف دولار، ليحصل الوسطاء والأطباء على قرابة الـ18 ألف دولار!.

ووفقا لتقرير لمنظمة الصحة العالمية عام 2015، فإن هناك أكثر من 10 آلاف عملية بيع وشراء أعضاء البشرية تتم في السوق السوداء سنويًا، تتراوح أرباحها بين 600 مليون دولار إلى 1.2 مليار دولار حول العالم.

اضف تعليق للنشر فورا